القاضي التنوخي

207

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

فنزلنا إلى موضع ، فأكلنا ، وشربنا . فلما عمل الشراب ، عمد إليّ ، فشد يديّ إلى رجلي ، وأوثقني كتافا ، ورمى بي في واد ، وأخذ كل ما معي ، وتركني ومضى ، وأيست من الحياة . وقعد هذا الكلب معي ، ثم تركني ومضى ، فما كان بأسرع من أن وافاني ، ومعه رغيف ، فطرحه بين يديّ ، فأكلته ، ولم أزل أحبو إلى موضع فيه ماء ، فشربت منه ، ولم يزل الكلب معي ، باقي ليلي يعوي إلى أن أصبحت ، فحملتني عيناي ، وفقدت الكلب . فما كان بأسرع من أن وافاني ومعه رغيف ، فأكلت ، وفعلت فعلي في اليوم الأوّل . فلما كان اليوم الثالث غاب عني ، فقلت مضى يجيئني بالرغيف ، فلم ألبث إلَّا أن جاء ومعه الرغيف ، فرمى به إليّ ، فلم استتمّ أكله ، إلا وابني على رأسي يبكي . فقال : ما تصنع ها هنا ، وما هي قصّتك ؟ ونزل فحلّ كتافي ، وأخرجني . فقلت له : من أين علمت بمكاني ، ومن دلَّك عليّ ؟ فقال : كان الكلب يأتينا في كل يوم ، فنطرح له الرغيف على رسمه ، فلا يأكله . وقد كان معك ، فأنكرنا رجوعه ، ولست أنت معه ، فكان يحمل الرغيف بفيه ، ولا يذوقه ويخرج يعدو ، فأنكرنا أمره ، فاتّبعته حتى وقفت عليك . فهذا ما كان من خبري وخبر الكلب ، فهو عندي أعظم مقدارا من الأهل والقرابة . قال : ورأيت أثر الكتاف في يده ، قد أثّر أثرا قبيحا . فضل الكلاب على من لبس الثياب 19